الثلاثاء، 21 أبريل 2015

المدرسون المتفرغون وأساتذةُ فوق السبعين .. كلمةٌ لا مفرَ منها

تُثارُ هذه الأيامَ أقوالٌ تارةً عن التخلصِ من الأساتذةِ فوق السبعين وبنبرةٍ أقوى عن إلقاءِ المدرسين "الكسالى" خارج الجامعاتِ. سأبدأ بالمدرسين "الكسالى" الذين تخطوا الستين أو اقتربوا منها ولم يحصلوا على درجةٍ جامعيةٍ أعلى.  الكلامُ على عواهنِه حلو وكما العسل، لكن الواقعَ يختلفُ تمامًا عن الرغبةِ في "التصنيعِ" السريع لقانونٍ جديدٍ للجامعاتِ لأسبابٍ، كأن يكونَ بينها الاستمرارُ في منصبٍ ما، وهنا الكارثةُ، القوانينُ تأخذُ الصبغةَ العامةَ لمنفعةٍ غيرِ عامةٍ.  

لن أدافعُ عن مدرسين تأخروا في الترقيةِ أو لم يُرَقوا تكاسلًا، لكن هناك نسبةً كبيرةً لم تنلْ الترقيةَ لأن المناخَ العامَ في جامعاتِ الحكومةِ غيرَ صحيٍ وفي أحيانٍ كثيرةٍ غيرَِ سَويٍ. افتعالُ الشجاعةِ بالتجني على من كبروا في السنِ وجارَ عليهم الزمنُ ليس من الأخلاقِ خاصةً في الجامعاتِ، والإصغاءُ للأصواتِ المتشنجةِ المُشَخِصةِ هنا وهناك لا يجبُ أن يؤسسَ لقوانينٍ. التسجيلُ للدراساتِ العليا في الجامعاتِ تربيطاتٌ وعلاقاتٌ عامةٌ، خاصةً التسجيلُ للمعيدين، وفي غيابِ روحِ التعاونِ والتخطيطِ في الأقسامِ العلميةِ يكونُ ضربُ الأكتافِ والزقُ و وسيلةُ الحصولِ على أكبرِ عددٍ من التسجيلاتِ، طبعًا مع الأوكازيونات، بمعنى أن ينتهي التسجيل بسرعةٍ وبدونِ عناءٍ!! لقد جاءني طالبٌ منذ أسبوعين طالبًا التسجيل معي للماجستير بشرطِ الحصول على الدرجةِ خلالَ عامٍ، رفضت، ولكن غيري سيقبلُ!! من يَفتحُ مخَه في التسجيلاتِ يقفُ الطلابُ على أبوابِه طوابيرًا. لم يستطعْ كلُ المدرسين من أعضاءِ هيئةِ التدريسِ مجاراةَ هذا العطَن فابتعدوا، لا هو بيزنس ولا هو مصالحًا خاصة ولا كسلَ، إنما هو عجزٌ عن تكبيرِ المخِ والإنجرافِ لما لا يقبلون.  

أيضًا، النشرُ العلمي المُوَصِلُ للترقياتِ هو حدوتة الحواديتِ.  أبحاثٌ لا يمكن أن تُصَنف إلا أنها شؤونٌ اجتماعيةٌ، أسماءٌ وهميةٌ تضافُ على كلِ بحثِ، َضعْ اسمي وأضع اسمك، لدرجةِ أن هناك أبحاثًا عليها عشرةُ أسماءٍ، والتبريرُ مُعَدُ سلفًا، البحثُ العلمي عملٌ جماعيٌ، أكيد، لكن ليسَ عندنا ولا بهذا المستوى المتواضع الذي لا يتطلبُ عددًا من الأسماءِ يفتحُ عكة. أيضًا النشرُ في المجلاتِ العلميةِ المحليةِ يكونُ بترتيباتٍ، هناك من الأساتذةِ من يرون أنهم فوق مستوى التحكيمِ وأن أسماءهم توضعُ فِردةً مع أسماءِ المدرسين المتقدمين للترقيةِ، فتونة، غرور، إنفلاتُ مجتمعٍ قبل أن يكونَ عيبًا فادحًا في هيئةِ التحرير. لقد دأبَ كثيرٌ من أعضاءِ هيئاتِ التدريسِ بالجامعاتِ على المجلاتِ المحليةِ المتواضعةِ رغم أي إدعاءٍ معاكسٍ بالعالميةِ، وعلى ودورياتٍ هندية وسيريلانكية من ماركة إدفع ننشر لك، والتي تربحُ كثيرًا من "الزبائن" المصريين. أما المؤتمراتُ السياحية المسماة مجازًا علمية فأكلُ عيشِها المصريون، طالما أن هناك من الأساتذةِ من يدافعون عنها لإثباتِ قدرتِهم على منحِ الترقياتِ للمدرسين من جامعاتِهم، ولعدم وضوحِ قواعدِ اللجانِ العلميةِ للترقياتِ بخصوص التقويمِ الدقيقِ والصحيحِ لها. 

لنقفْ بصراحةٍ، كم من المسؤولين بالجامعاتِ وعلى مستوى الدولةِ حصلوا على الأستاذيةِ في ميعادِها أو شبه ميعادِها؟ كم منهم وصل للأستاذيةِ بعد عشرين عامًا من الحصولِ على الدكتوراة ومع ذلك قُبِلَ تصديه للعملِ الجامعي الإداري والقيادي على مستوى الدولةِ؟ كيف ولمن تُمنَحُ الجوائزَ في الدولةِ وجامعاتِها؟ وكم تبلغُ نسبةُ التربيطاتِ والعلاقاتُ العامةِ وخفةُ الدمِ في منحِها؟ ألم يُعزلُ منذ أسابيعٍ قائمٌ بأعمالِ عميدٍ لعدمِ أمانتِه العلميةِ؟ أيهما أفضل، مدرسٌ فاتته الترقيةُ لأنه لم يركبْ موجةً كما فَعَلَ غيرُه أم أستاذٌ بطول النفسِ والأونطةِ والألبنضةِ مكنته الأيامُ والظروفُ من صنعِ القرارِ والكلامِ عن الغشِ العلمي والإلتزامِ؟

أما التخلصُ من الأساتذةِ فوق السبعين فهو قضاءُ دولةٍ ونظامٍ عن أخلاقِها وعقلِها، على بلاطةٍ وبدون مواربةٍ، لا أكثر ولا أقل.  لقد جاءَ وزيرٌ في عهدِ مبارك وألقى بالأساتذةِ فوق السبعين خارج الجامعةِ، لم تزلْ هذه الوصمةُ تطاردُه حتى الآن ولا تزالُ كنيةُ "المبيدُ" لصيقةٌ به قبل إسمِه.  كراهيةُ النظامِ للجامعاتِ ولعقولِها تشينُه ولا يُقبلُ الْيَوْمَ أن تعودَ خطايا ماض جَلَبَ مآسٍ كثيرةٍ.  ثم هل قلة ذات اليدِ وراء نغماتٍ نشاذٍ بإلقاءِ هذا وذاك؟!! هل خرَجَ المدرسون "الكسالى" وأساتذة فوق السبعين في إعاراتٍ على كلِ شكلِ ونوعِ تحسُبًا ليومٍ يخضعون فيه لتحكماتِ من عاشوا في الجامعاتِ طولًا وعرضًا، ما بين تسجيلاتٍ اجتماعيةٍ وإعاراتٍ رسميةٍ بالورقِ وإعاراتٍ ولا مؤاخذة عرفيةٍ، يعني موجودين ومش موجودين؟!!

يستحيلُ الكلامُ عن إصلاحِ قضاء أو جيش أو شرطة، أو زمالك وأهلي؛ أما عن الجامعاتِ، حاجة ببلاش كده، سبوبةٍ سهلةٍ لمن هم خارج الجامعاتِ ويادوب أمسكوا قلمًا أو ميكروفونًا، ولمن هم على كراسي من داخلِ الجامعاتِ وخارجها. 

أكتبُ بأسىً، بلا أي مصلحةٍ، ولا للدفاعِ عن من أخطأوا وأهملوا، لكن كادر الصورة أوسع بكثيرٍ مما يُرادُ له. دولةٌ بلا جامعاتٍ لا وجودَ لها، الجامعاتُ أخلاقٌ أخلاقٌ أخلاقٌ،،




Twitter: @albahary

ليست هناك تعليقات: