الاثنين، 7 يوليو 2008

دمٌ رخيصٌ


الحياةُ، أغلي القيمِ، للإنسانِ، للحيوانِ والنباتِ، للجمادِ في كثيرِ من الأحيانِ؛ حَضَت علي الحفاظِ عليها وحمايتِها كلُ الشرائعِ السماويةِ ومبادئ الأخلاقِ. شهدَ التاريخُ بحقِِ، أنه مع تدهورِ الأخلاقِ وسوءِ فهمِ المعتقداتِ نتيجة لتردي الأحوالِ السياسيةِ والاجتماعيةِ، تعرضَت الحياةُ لشتي صنوفِ الاعتداءاتِ، الماديةِ والمعنويةِ. مع تطورِ الفكرِ الإنساني علَت مبادئ حقوقِِ الإنسانِ بغرضِ حمايةِ حياتِه، الجسديةِ والمعنويةِ والفكريةِ، من أي انتهاكِ أو تهديدِ، وفي سبيلِ ذلك أُبرِمَت المعاهداتُ والاتفاقاتُ الدوليةُ من خلالِ منظمةِ الأممِ المتحدةِ أو برعايتِها. لكن الحفاظَ علي الحياةِ لم يسر في كلِ أرجاءِ الكرةِ الأرضيةِ بنفسِ الوتيرةِ، فقد علَت قيمتُها في مناطقِ وتدنَت في أخري، ومن أسف وأسي أن الدول الإسلامية والعربية تشهدُ أدني قيمة لها.
إذا أردنا التعرفَ علي قيمةِ الحياةِ في منطقتِنا التعيسةِ فالشواهدُ كثيرةٌ، حديثةٌ، واضحةُ الدلالةِ، بلا كَدِ ولا تعبِ ستَدُلُنا إلي الخلاصةِ المؤكدة، أنها حياةُ بلا قيمةِ ولا اعتبارِ. غرقُ العبارةِ الذي أودى، كالعادةِ، بحياةِ المئاتِ من المصريين، آخرُ الشواهدِ وأحدثُها؛ اِبتلعَهم بحرُ من الإهمالِ والاستهتارِ والتواكلِ والتخاذلِ. قبلَه بيومين فَنِي حوالي أربعين من المصريين والأجانبِ في حادثتي طرقِِ عكستا قدرَ إهدارِ قيمةِ الحياةِ. المسئوليةُ شاعَت، علي الدولةِ والشعبِ، علي المجتمعِ بأكملِه، يُدهَسُ الإنسانُ مثل قطةِ في الطريقِ، بنفسِ البساطةِ. الدولةُ تستخدمُ القوةَ حيث لا يجوزُ، فضاً للغضبِ الشعبي، من تزويرِ الانتخاباتِ، من منعِ التعبيرِ عن الرأي، لا تُطبقُ القوانينَ التي تنصُ علي السلامةِ في البناءِ، في الطُرُقِِِ، في الطعامِ، في أماكن العمل واللهو والرياضة. المواطنُ يموتُ في أثناءِ العلاجِ، وهو في رحلةِ، في الطريقِ لعملِه أو مسكنِه، تقتلُه مشاجرةُ ليس طرفاً فيها، ثأرٌ لا يدَ له فيه، الخطرُ يتربصُ به في أبسط أمورِ حياتِه. الحكومةُ والشعبُ شركاءُ، عبثٌ في عبثِ، فهلوةُ، عنتريةُ، عشوائيةُ، سوءُ تدبيرِ، عدَمُ تدَبُرِ، تصورُ واهمُ للذكاءِِ والألمعيةِ.
في الدولِ الإسلاميةِ والعربيةِ تفقدُ الحياةُ قيمتَها، بفعلِ المعتقداتِ والأعرافِ، حتي الأعياد لم تسلمُ من دماءِ تجري أنهاراً في الشوارعِ. ما أيسرَ أن تُسلَبَ حياةُ الإنسانِ، تنفيذاً لعقوبةِ، نتيجةً للتفجيراتِ المُعتبرةِ بطولةُ، الموتُ شهادةُ وعقوبةُ، في آنِ واحدِ. ضحايا العنفِ في العراقِ من أبنائه بـأياديهم يفوقون ما سبَبَه الأمريكان والإنجليز، كذلك ضحايا طالبان في أفغانستان. الإنسانُ مجردُ رقمِ، في كشف الأحياءِ أو في كشفِ الأمواتِ، وجودُه لا يَهِمُ، إنه أداةُ تستهلكُها الشعاراتُ، شعاراتٌ ابتدعَتَها الأنظمةُ لتستمرَ في البقاءِ، أنظمةُ تحاربُ طواحينَ الهواءِ في إيران، في ليبيا، في السودان، الشعوبُ تدفعُ الثمنَ من حياتِِها.
تركُ الأمورِ علي أعنتِها لا يوردُ إلا التهلكة، كم من المظاهرِ تنضِحُ بأبلغِ الضررِ، أصبحَت معتادةَ من فرطِ تكرارِها، انسحابُ أجهزةِ الدولةِ، طواعيةً أو بغيرِها، يفسحُ الساحةَ لمن يتوقون لشغلِها، بالفوضى والعشوائيةِ والأمرِ الواقعِ. سَلبٌ الحياةِ أصبحَ عادةً، من فرطِ تكرارِهِ، لا يُعتذرُ عنه، ليست عليه عقوبةُ، في أحيانِ كثيرةِ.
الحشراتُ والقوارضُ تتوالدُ بكثرةِ، ظاهرةٌ طبيعيةٌ لتعويض الهالكين منها بلا حسابِ، كالإنسانِ في الدولِِ الإسلاميةِ والعربيةِ،،

بوش يبوس


بوش زار المنطقة العربية، الدنيا قامت علي رِجل، مظاهرُ فرحٍ هناك وغضبٌ هنا، زغاريدٌ في مقابلِ حرقُ صورٍ ودمي وأعلامٍ. المنطقةُ في حالةِ استنفارٍ، سياسي وأمني. زيارةٌ ليست عادية، زعيمُ أقوي دولة عسكرياً يَدُبُ كما يُحبُ. ماذا يريدُ؟ كلٌ يفسرُ حسب مفهومِه، يتآمرُ ضد إيران، يساندُ إسرائيل، يدعمُ السلام، يودعُ المنطقةَ بمنظرين قبل أن تنتهي مدتُه.
فرصةٌ للظهورِ بمظهرِ الضيوفِ الكرامِ والقادة المؤثرين، استقبالاتٌ حافلةٌ، ولائمٌ، رقصاتٌ، هدايا، سيوفٌ وقلادات. المعارضون أيضاً في الصورةِ، حناجرُهم عاليةٌ ومنشوراتُهم مرفوعةٌ، ماذا يقولون، لا جديد. زيارةُ صفقاتٍ بالملياراتِ، أسلحةٌ وعتادٌ، العربُ يدفعون لأمريكا، كالعادةِ. هل هي في مصلحتهم؟ الإجابةُ ليست عندهم، عند مخططي السياسة الأمريكية وغيرِهم.
بوش يتعامل مع العربِ بأسلوبِهم، يبوسُ علي الخدين، لو فعلها في أمريكا لفضحوه. العربُ لم يبرموه، لم يأكلوه، هو الذي حضنهم وباسهم،،

الفقرُ قلةُ قيمةِ.. للدولِ كما هو للبشرِ


لو كان الفقرُ رجلاً لقتلته، رأيتُ ذا الغني مهيباً وذا الفقرِ مهيضاً، قالها سلفُنا منذ ما يزيدُ علي الألفِ عامٍ، خبرةُ الأيامِ. شخصٌ ضخمٌ مترهلٌ، رثُ الثيابِ، جائعٌ، ثقيلُ الحركةِ، من الطبيعي أن ينعدمُ تأثيرهُ وإنتاجُه الفكري والجسدي، لا ابتكارَ عنده، ما هو بقادرٍ علي التأثيرِ ولا علي مجاراةِ من حوله، الأصحاءُ، القادرون علي العطاءِ. أنها سنةُ الحياةِ، البقاءُ للأصلحِ، القابلُ للتأقلمِ، للتعلمِ، للعيشِ في جماعةٍ، للأخذِ والعطاءِ، لا الأخذِ فقط ومدِ اليدِ.
الدولُ مثلُ البشرِ، إنها تتكونُ منهم، يكونُ تأثيرُها بقدرِ ما تقدم للإنسانيةِ من علمٍ وصناعةٍ وزراعةٍ واقتصادٍ وأدبٍ وفنٍ؛ تأثيرٌ لا يأتي إلا بالكدِ والعملِ، بانتهاجِ مبادئ الديمقراطيةِ الحقيقيةِ، باحترامِ حقوقِِ الإنسانِ والمواطنةِ، بتقبلِ الرأي الآخرِ. يستحيلُ أن يكون للديكتاتوريةِ والاستبدادِ والقهرِ مكانٌ في عالمِ اليومِ، لا تقومُ دولةٌ عليهم، الشعوبُ المكبلةُ المُهمشةُ لا تنتجُ، لا تبتكرُ، لا تتجاوبُ؛ إنها تلاوعُ، تخادعُ، تغشُ، مثل حكامِها، علاقةٌ تبادليةٌ أساسُها عدمُ الاحترامِ.
عالمُ اليومِ به من الدولِ الخفيةِ ما يفضحُ نظمَها الحاكمةَ ومعارضيها وشعوبَها علي قدرٍ سواءٍ، إعلامٌ عالي الصوتِ، عديمُ الرؤيةِ، مناصبٌ للمنافقين، أموالٌ مبعثرةٌ علي المظاهرِ، معارضةٌ ما وراءَ حلولِها غيرُ محاربةِ طواحينِ الهواءِ والعويلِ والاندثارِ، الجوهرُ شديدُ البؤسِ. دولٌ تقدمُ من إخفاقِها وقلةِ حيلتِها العظاتِ لمن اعتبرَ ويعتبرُ، لكل من يتحاشى مآلَها.
طفيلياتُ العالمِ، تسحبُه للوراءِ، لو أُتيحت لها الفرصةُ، كم من الدولِ العربيةِ والإسلاميةِ فيها، لن أسميها، معروفةٌ بالاسمِ، مهما توهمَ حكامُها الحكمةَ والعقلَ، مهما تحدثوا باسمِ شعوبٍ تتبرأ منهم، مهما صرخَ وادعي معارضوهم. لا يسودُ جائعٌ، ولا بردانٌ، ولا جاهلٌ، يستحيلُ أن يكون له من الاعتبارِ ذرةٌ، فرداً كان أو دولةً، الغُصةُ شديدةُ المرارةِ،،

السبت، 28 يونيو 2008

ثقافةُ استحالةِ الحوارِ


الثقافةُ هي الإلمامُ بمعارفٍ متعددةِ واستيعابِها، ولو كانت علي خلافٍ مع المعتقداتِ الشخصيةِ، هي الاقتناعُ بحقِ الآخرين في الاختلافِ وبضرورتِه. الثقافةُ ليست بالمؤهلِ العلمي مهما علا، ولا هي بكرسي سلطةِ ولو تضخمت؛ ما كان بن خلدون ولا عباس العقاد ولا محمد حسنين هيكل من حملةِ الدكتوراة، لكنهم من العمالقةِ، كم من ملوكٍ ورؤساءٍ نضحَت ألسنتُهم بضحالةِ ما بدواخلِهم. الثقافةُ سمةُ أفرادٍ وشعوبٍ، إنها تورثُ من جيلِ إلي ما يليه، بقدرِ ما تشيعُ تسمو المجتمعاتُ، حكاماً ومحكومين.
شاعَ مصطلحُ الثقافةِ علي ما هو جيدٍ وما هو ردئ، فإذا عمَ الوعيُ سياسياً واقتصادياً واجتماعياً فإن ثقافةَ المجتمعِ هي الاستنارةُ والانفتاحُ، أما إذا استشري الجهلُ والعنفُ والفسادُ فإن ثقافةَ المجتمعِ هي الانغلاقُ والقمعُ. مصطلحُ الثقافةِ استُخدِمَ في الحالين بمعنيين مختلفين، مرةٌ للدلالةِ علي التقدمِ وأخري للتأكيدِ علي التخلفِ. دعاني لهذه المقدمةُ ثقافةُ مجتمعاتنا، فهي ثقافةٌ وفقاً لأحدِ التعريفين، لكنها واقعاً قمةٌ في الجهلِ والانحطاطِ الفكري والأخلاقي.
لنبدأ ببساطةٍ في متابعةِ التعليقاتِ علي المقالاتِ أو أثناء أي نقاش اِفتُتِح هادئاً، الشرارة تبدأ بردٍ علي مقالةٍ أو رأي يستفزُ آخرين، ينشغلون عن المقالةِ أو الموضوع الأصلي إما بالتشاتمِ أو بالجنوحِ إلي فرعياتٍ بعيدةٍ، كأن كلً يغني علي ما بداخلِه، إنها مجردُ فرصةٍ لإخراجِ ما بالصدورِ في أي موضوعٍ، جنوحٌ عن آدابِ الحوارِ وحقِِ الاختلافِ إن خالفت المقالةُ أو الآراءُ ما يُعتقدُ صواباً، احتكارٌ كاذبٌ للحقيقةِ والعقلِ والمعرفةِ، اتهاماتٌ بالكفرِ والجهلِ والخيانةِ، لو كان المعلقون في مواجهةِ بعضهم البعضِ لتقاتلوا بكلِ ما هو ممنوعٍ.
أسلوبُ النقاشِ، البعيدِ عن الحوارِ، مجردُ مرآةٍ لثقافةِ المنطقةِ العربيةِ والإسلاميةِ، قتالٌ وصراعٌ في كلِ مكانٍ، الدماءُ تسيلُ أنهاراً، بأيدي من يُسمون أشقاءً، في فلسطين، في العراق، في لبنان، في الصومالِ، في السودانِ. إذا لم يتقاتلوا فتهديدٌ به، الأوضاعُ دائماً علي الحافةِ، علي وشكِ الانفجارِ، الكلُ متربصٌ متحفزٌ، القتالٌ علي مسافةٍ بعرضِ شعرةٍ. قتالٌ لكلِ سببٍ، سياسيٍ، دينيٍ، اجتماعيٍ، اقتصاديٍ، حتي رياضيٍ.
لا يمكنُ الركونُ لنظريةِ المؤامرةِ، فالخطايا ضاربةٌ في الجذورِ، رفضُ الحوارِ متوارثٌ عبرَ التاريخِ، تاريخٌ لا يكذبُ، فيه الاقتتالُ قبلَ ظهورِ الأعداءِ، قبلَ أن يفكروا في التآمرِ. وإذا سلمنا بنظريةِ المؤامرةِ، فأين العقولِ؟ أإلي هذا الحدِ بلغت غفلةُ الانخداعِ؟ نظريةُ المؤامرةِ خداعٌ للذاتِ، لتسبيبِ كُرهِ الحوارِ والعقلِ، لإضفاءِ الشرعيةِ علي رفضِ الآخرين، لاحتكارِ الصوابِ.
وصلت الأمورُ لطريقٍ مسدودٍ، لا يؤدي إلا إلي مزيدٍ من التخلفِ والتآكلِ، إلي الانقراضِ المحتومِ،،

هل سيسمحون؟


النظامُ المصري يتعرضُ لانتقاداتٍ منهمرةٍ في كافةِ وسائلِ الإعلامِ، المحليةِ والعربيةِ والعالميةِ، مكتوبةِ أو علي الإنترنت، أرضيةٍ أو فضائيةٍ، لم يسلم منها رئيسُ الدولةِ وأي من أركانِ نظامِه، قليلاً ما تعرضَ صحفيٌ أو غيرُه للمطاردةِ أو التنكيلِ، مقارنةً بكمِ ما يُنشرُ، بالحقِ والباطلِ. لستُ من المدافعين عن النظامِ الحالي، بل علي العكسِ، لكنني بقلقٍ أتساءلُ، وهو ما يعتريني وغيري، هل من يشتاقون إلي السلطةِ سيسمحون لنا بهذا القدرِ من التهجمِ عليهم وانتقادِهم؟ ضحايا الرأي في لبنان والعراق وإيران والسعودية وسوريا وفلسطين أكثرُ من الحصرِ، أما الماضي قريبُه وبعيدُه ففيه من القهرِ أشكالاً وصنوفاً.
متابعةُ صحفِ المعارضةِ المتباكيةِ بحرقةٍ علي انعدامِ الديمقراطيةِ يؤكدُ أنها تتبعُ أشدَ أنواعِ الديكتاتوريةِ والقهرِ، رؤساءُ الأحزابِ يحتلون الكراسي كما لو كانوا في الحزبِ الوطني، صحفُهم تهللُ لهم وكأنهم بلا خطيئةٍ، تحجِبُ أيَ رأيٍ يُخالفُ ما تروجُ له، كما لو كانت صحيفةً قوميةً ممن جارَ عليهم الزمنُ.
أما المتشحون بشعاراتِ الحلولِ الهلاميةِ البراقةِ فليسوا بأفضلِ حالاً، أسلحتُهم مشهرةٌ لتكفيرِ كلِ من يخالفُهم في العقيدةِ والرأي، فتاواهم جاهزةٌ لأي طارئ، تُحللُ وتُحرمُ، بلا قاعدةٍ إلا المصلحةِ والحاجةِ للسيطرةِ. ما من برامجِ حقيقيةٍ للتطويرِ، مجردُ وعودٍ ورؤي مناميةٍ تستدرُ ماضٍ سحيق فيه من الإخفاقاتِ والعِبرِ ما يفوقُ إنجازاتٍ شحيحةٍ يُرَوجُ لها وكأنها الواقعُ والقاعدةُ، إخفاقاتٌ أوردَت إلي ما يشهدُه الحاضرُ من تردٍ واندثارٍ. الزمنُ الحالي لا وقتَ فيه لإعادةِ تجاربِ ماضٍ فاشلٍ بعدما تخطانا آخرون واكتسحوا بلا رحمةٍ، بالعلمِ واحترام الإنسانِ ككيانٍ له الحقُ في الحريةِ كلِها، ليست منحةً ولا منقوصةً.
النظامُ الحالي يُهاجَمُ بشراسةٍ مُستحقةٍ، يتطوعُ منافقوه بالإساءةِ إليه، ولو تصوروا العكسَ، في مقابلِ مصالحِهم الخاصةِ جداً، أستاذٌ بإحدي الجامعات الإقليميةِ نُكِلَ به لأنه انتقدَ استضافةَ مطربِ الحمارِ في الحرمِ الجامعي، لم يقُم أحدٌ ممن فيهم ذرةُ عقلٍ بالدفاعِ عنه، لا لسوادِ عيونِه، إنما لخاطرِ نظامٍ يسعي حثيثاً لتدميرِ نفسِه، لجرِ وطنٍ غابَ عنه الأملُ إلي مهاوٍ سحيقةٍ لا نجاةَ منها.
نظامُ حكمِ تحملَ كثيراً، وأخطأ كثيراً، هل يتحملَ معارضوه لو آلَ إليهِم الكرسي، شواهدُهم تؤكدُ أنهم جاهزون، بكلِ القمعِ وضيقِ الصدرِ، لنا اللهُ من ماضٍ داسَنا وحاضرٍ قهرَنا ومستقبلِ سيشهدُ انقراضَنا،،

الثانويةُ العامةُ..وامبراطوريةُ الغشِ


الثانويةُ العامةُ مستقبلُ طالبٍ وأسرةٍ ومجتمعٍ، بل أيضاً وزارةٍ وحكومةٍ ونظامِ حكمٍ، إنها تغرسُ الانتماءَ أو النقمةَ إنها النجاحُ أو الفشلُ لشعبٍ بأسرِه، إذا بُنيت علي عدلٍ ومنطقٍ استقامَ الحاضرُ والمستقبلُ، وإذا كانت العنترياتُ رائدَها فلا أملَ ولا وقوفَ إلا علي الدماغِ مع عجينِ الفلاحةِ. انطلقَ الغضبُ براكيناً لما فاحَت روائحُ الغشِ في امتحاناتِ الثانويةِ العامةِ، لجانٌ خاصةٌ بالمحظوظين من الطلبةِ، أباؤهم أعضاءُ مجلسِ شعبٍ ورجالُ شرطةٍ وغيرُهم من الواصلين، من المسئولين عن أمنِ المجتمعِ وسلامتِه، امتحاناتٌ تُباع عيني عينك، فضيحةٌ، لأنها انتشرَت لا للعلم بها، الغشُ وأكلُ حقوقِ الغيرِ في الثانويةِ العامةِ وغيرِها شائعٌ، سِلوُ مجتمعٍ، قانونٌ غيرُ مُعلنٍ، معلومٌ للكافةِ، ارتضوه، تعايشوا معه، تباكوا علي الظلمِ وضياعِ الفرصِ.
الغشُ يرجعُ لعشراتٍ مضَت من السنين، احتيالٌ علي مشاعرِ الرأي العامِ بالامتحاناتِ التافهةِ وبإعادةِ توزيعِ درجاتِ الامتحاناتِ الأكثرِ صعوبةٍ، بنفخِ المجاميعِ علي غير طبيعتِها ثم نقلِ مأساةِ القبولِ في الكلياتِ المرغوبةِ لمكتبِ التنسيقِ. إنه نفسُ نهجِ الإعلانِ عن العلاوةِ إياها ثم سحبُها وأكثرُ بزياداتٍ مجنونةٍ في الأسعارِ، إنه الكلامُ بلا مللٍ عن الوقوفِ بجانبِ محدودي الدخلِ ثم تضييقِ حياتِهم بالجبايةِ التي تعودُ لعهودِ المماليكِ، إنه التمادي في الرغي عن الديمقراطيةِ والإصلاحِ مع الاستمرارِ علي الكراسي لأجالٍ وآجالٍ، إنه أيضاً نهجُ المعارضين رافعي شعاراتِ الحلولِ لاحتلالِ ذاتِ الكراسي بغرضِ تطبيقِ شعاراتِهم التي لن يكونُ من ورائها إلا القضاءُ علي الدولةِ بمفهومِها القانوني والسياسي والاجتماعي، إنه شركاتُ توظيفِ الأموالِ بدعوي الربحِ الحلالِ ثم الطيرانِ بالفلوسِ، إنه المنتجاتُ المعطوبةُ التي تضربُ الحياةَ، إنه الانتخاباتُ كلُها، أنه سَنُ قوانيناً تحت ضغطِ المصالحِ ودعاويٍ براقةٍ رجعيةٍ، إنه اِدعاءُ التعليمُ ونصبُ مؤتمراتِ تطويرِه، إنه المعاملاتُ كلُها؛ إنه دولةٌ ومجتمعٌ اعتادوا تبادلَ الغشِ، احترفوه، جميعاً، علي حدٍ سواءٍ.
في دولةِ الغشِ الغلبةُ للصوتِ الأعلي، لمن يجيدون الإدعاءَ، التظاهرَ، التباكي، لقد نجحت نقابةُ مهنيةٌ في تحديدِ أعدادِ الطلابِ المقبولين بكلياتِ الطبِ، منعَت انشاءَ كلياتٍ خاصةٍ، بحجةِ الحفاظِ علي مستوي المهنةِ، بحجةِ الزيادةِ في أعدادِ الأطباءِ، تناست سوءَ توزيعِهم علي مستوي المحافظاتِ والقري والنجوعِ، أغمضت العينَ عن مصائبٍ ارتكبَها كباراَ منهم. المنطقُ العادلُ يحتمُ أن تزدادَ نسبُ القبولِ في جميع الكلياتِ علي حدٍ سواءٍ بمعدلٍ قريبٍ من معدلِ زيادةِ المتقدمين للامتحانِ، وإلا فالبديلُ هو الاستمرارُ في ارتفاعِ المجاميعِ إلي حدودٍ خرافيةٍ تجافي الأصولَ البديهيةَ وتشيعُ عدم الاستقرارِ والرضا في مجتمع يغلي أصلا. التعللُ بمحدوديةِ القدرةِ الاستيعابيةِ للكلياتِ المرغوبةِ لا يشفي غليلاً ولا طموحاً، ما ذنبُ الأسرِ في إخفاقِ مؤسساتِ الدولةِ ككلِ في التأقلمِ مع الزيادةِ الطبيعيةِ للسكانِ مع العلمِ بانخفاضِ معدلاتِها؟ أضفُ حكايةَ الجودةِ كشعارٍ جديدٍ لإحباطِ المجتمعِ المصري ولتحميلِه وزرِ تحديدِ أعدادِ المقبولين بما يُسمي كلياتُ القمةِ، شعارٌ هلاميٌ دخلَ موسوعةَ الشعاراتِ، موسوعةٌ الشماعاتِ.
لا مجالَ هنا لترديدِ مقولةِ إن زيادة َالسكانِ هي سببُ المشاكلِ والتغني بها كشماعةِ فشلٍ ومعاقبةِ الشعبِ ووأدِ آمالِه من خلالِها، الطبقةُ المتوسطةُ لا تستثمرُ إلا في أبنائها، هم ثروتُها ومستقبلُها، هم أملُها وفرحُها. ألم يكن الحدُ من الإنفاقِ اللامسئولِ في العديدِ من المجالاتِ كافياً للاستجابةِ للطموحاتِ العامةِ؟ أما تعللُ مافيا بعض النقاباتِ المهنيةِ التي تزعمُ أن في قلةِ الأعدادِ بالكلياتِ المرغوبةِ توفيراً لتعليمٍ أفضلٍ فمردودٌ عليه، صفحاتُ الحوادثِ تحفلُ بأخطاءٍ قاتلةٍ لمن تعلموا أيامَ السمنِ البلدي ووصلوا إلي مراتبِ الأستاذيةِ واحتلوا بإعلاناتِهم صفحاتِ الجرائدِ وميكروفوناتِ وشاشاتِ الإعلامٍ. أيضاً، ما نحن فيه من معاناةٍ وتدني أوضاعٍ داخليةٍ وخارجيةٍ نتيجةٌ طبيعيةٌ لنهجِ اللاتخطيطِ الذي سلكَه من تولوا المسئوليةَ بعد سنواتٍ من الدراسةِ أيامَ قلةِ الأعدادِ والطراوةِ. هذه النقاباتُ المهنيةُ المتباكيةُ تريدُ تخفيضَ الأعدادِ تكريساً لمصالحِ القلةِ عاليةِ الصوتِ التي ترغبُ في الانفرادِ بكل المزايا الاجتماعيةِ والماديةِ.
لقد ارتفعت المجاميعُ في الكلياتِ المرغوبةِ العام الماضي بسبب تحديدِ أعداد المقبولين بها علي الرغمِ من المانشيتاتِ الحمراءِ الزاعقةِ عن زيادةِ أعداد ِالمقبولين بالجامعاتِ، من العيبِ خداعُ الرأي العامِ وتصورُ أنه لا يقرأ ولا يفهم ولا يستوعب ولا يحلل ومن اللازمِ طرحُ التساؤلِ العامِ هل تحديد أعداد المقبولين بالكلياتِ المرغوبةِ يتمُ لصالحِ توجيه الطلابِ لتعليمٍ خاصٍ؟ لأي مصلحةٍ يُزرعُ عدمَ الاستقرارِ والغضبِ في المجتمعِ؟ هل مسلسلُ الثانويةِ العامةِ أحدُ وسائلِ الإلهاءِ العامِ؟
ازدادت أعدادُ الناجحين في الثانوية العامة في الأعوامِ الماضيةِ بنسبٍ غيرِ طبيعيةٍ، دخلَت المجاميعُ موسوعةَ الأرقامِ القياسيةِ، للغشِ والخداعِ، هل ثبَتَ أن المجتمعَ المصري يعجُ بالعباقرةِ؟! لقد كان الطالبُ الفاشلُ هو من يحصلُ علي 95% أما الآن فهو الحاصل علي 98,7%!! من المؤكدِ أن الفشلَ ليس له لكنه للنظامِ بكل مؤسساتِه التي أورثت الحقدَ والكراهيةَ وعدمَ الانتماءِ في أجيالٍ وأجيالٍ. ملهاةٌ مضحكةٌ مبكيةٌ مؤسفةٌ، يُصاب كلُ مسئولٍ أجلسَ علي الكرسي بداءِ الحكمةِ، تراه ناصحاً مُشوِحاً مُستفيضاً فيما يكُر ويُبغبغُ متصوراً أنه يعلمُ وأننا نجهلُ، غافلاً عن أنه مجردُ كبشِ فداءٍ، طالَ به زمنُ الكرسي أو قَصُرَ!!
لقد كتبنا لأننا لا نملكُ السكوتَ علي وضعٍ يُجافي كلَ عدلٍ ومنطقٍ، لا يجوزُ لمتخذي القراراتِ الرضوخِ لدعاوي تضرُ بالصالحِ العام ِأو ترديدِ أقاويلٍ بلا سندٍ صحيحٍ أو الركونِ للعشوائيةِ. أسلوبُ المعالجةِ يعكسُ كيف يتصدي نظامُ حُكمٍ لأكبرِ مشاكلِه؛ للشعبِ حقوقٌ أساسيةٌ وحواسُه من عيونٍ وأذانٍ وأيضاً عقولٍ سليمة.ٌ
قبلُ الختامِ، عند إعلانِ نتيجةِ الثانويةِ العامةِ تجبُ مراعاةُ أننا بصددِ ثلاثةِ امتحاناتٍ مختلفةٍ للعلومِ والرياضياتِ والدراساتِ الأدبيةِ، ترتيبُ الأوائلِ بالمجموع المطلقِ لا يتفقُ إذن مع العلمِ والتربيةِ لأنه سيرجحُ طلاباً علي غيرِهم دونما سندٍ، إلا إذا كان غشاً.
الثانويةُ العامةُ ليست مجردَ شهادةٍ، إنها صورةٌ صارخةٌ لمجتمعٍ يتعجبُ لانكشافِ الغِشِ علناً لا لوجودِه، يُدمنُ الغِشَ، غِشُ نفسِه دون سواها، مع الأسفِ،،

الأربعاء، 25 يونيو 2008

المهنةُ: مُفتي فضائياتٍ


الوظائفُ في العالمِ العربي شحيحةٌ، لكي تعلو لا بدَ أن تكونَ مسنوداً، إلا إذا كنت من أعضاءِ الفئةِ الجديدةِ، مفتي فضائيات. مفتي الفضائياتِ، وظيفةٌ تتواكبُ مع عصرِ المعلوماتِ والاتصالاتِ، شأنُها شأنُ مطربي الكليباتِ، مكملةٌ لها، الفرقُ في الصنعةِ، في طبيعةِ العملِ، في النكهةِ.
مفتي الفضائياتُ، ليس رجلاً فقط، هناك من النساءِ من اجتزن الحدودَ، طلعن لفوقِ. لا يُشترطَ في مفتي الفضائياتِ شهادةٌ بعينِها، كثيرون تركوا وظائفَهم الأصليةَ لما شحَ دخلُها، غيروا جلدَهم. فناناتٌ تركن الفنَ وتركَهن، تحولن إلي تلك الوظيفةِ الجديدةِ، ربحُها أكثرُ، ولو قلَ علمُهن، ولو كانت لغتُهن العربيةُ تحت الصفرِ.
الشرطُ الأساسي في مفتي الفضائياتِ أن يطرحَ القضايا الجدليةَ، في الزواجِ والطلاقِ، فيما يتعلقُ بالمرأةِ علي وجهِ الخصوصِ، في توظيفِ الأموالِ، باقي الأمورِ شعبيتُها أقلُ، مرتبتُها متأخرةٌ. يتراوحَ أسلوبُ العرضِ ما بين التجهمِ والعبوسِ إلي رسمِ السماحةِ والدعةِ وطولِ البالِ، كلُها أدواتِ المهنةِ. أما الزي فحسبِ الحاجةِ، هناك المفتي المودرن، الإفرنجي، وهناك أيضاً المفتي ذو الزي التقليدى الأبيضِ واللحيةِ الكثيفةِ. هادئون أو ثائرون، كلُهم يُلعِبون حواجبَهم، يُشوحون بأياديهِم، يهرشون جباهَهم، علاماتُ الصدقِ والتمعنِ، من وجهةِ نظرِهم وبتعليماتِ المخرجِ.
مفتيوا الفضائياتِ، أخرجوا من الكتبِ الصفراءِ ما لا يقبلُه منطقٌ سليمٌ، جعلوا الدين عسراً ما بعده عسرٌ، أشاعوا الكراهيةَ والفرقةَ، تعارضَت فتاواهم، كَثُرَ مجاذيبُهم في مجتمعاتٍ ترفضُ التفكيرَ، تلغي عقولَها، يَقلُ عَمَلُها. الفتاوي في الخمسِ سنواتِ الأخيرةِ تفوقُ في عددِها ما أُطلِقَ خلال مئات السنين. الفضائياتُ الاستثماريةُ تُصنَعُهم، تفهمُ السوقَ، تعرفُ طبيعةَ المجتمعاتِ المتكاسلةِ خصوصاً في إعمالِ العقلِ. اندثرَت برامجَ الثقافةِ وانزوي المفكرون، ليسَ زمانَهم، لو تحولوا للفتاوي لأصبحوا مليونيرات، عندهم العقلُ والقدرةُ علي استخدامِه، علي تطويِعِه لو أرادوا، ضميرُهم لا يسمحُ لهم بالتلونِ، مشكلتُهم.
أغرَت الأضواءُ نجومَ الفتاوي، زغللَت عيونَهم، لعبَت الشهرةُ بأدمغتِهم، يُبشرون الناسَ بالجنةِ في الأخرةِ ويستعجلونها لأنفسِهم في الدنيا، يُمنونهم بالحورِ الحسانِ وفي الحالِ يحوزون منهن ثلاثاً وأربعاً وأكثرَ، اِنهمرَ رزقُهم وفاضَ، فتاواهم علي كلِ لونٍ، مُمكنةٌُ بالطلبِ. عابوا الفنَ والفنانين وعاشوا حياتَهم وأكثرَ، حللوا لأنفسِهم بفتاويهم ما سبقَ أن حرموه، بها أيضاً.
التكنولوجيا أوصلَت العالمَ المتقدمَ إلي المريخِ، بكلِ الوضوحِ والنقاءِ، بعلماءٍ يقودون للأمامِ، أما في المنطقةِ العربيةِ، فالصراخُ والتهديدُ والوعيدُ والمنعُ، بمفتيي فضائياتٍ يسحبون للخلفِ ولتحتِ، لقاعِ القاعِ،،